ابن فرحون
296
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )
فقبض السلطان صلاح الدين على أولاد العاضد وملك القصر وما فيه ، وأباد تلك الدولة وأهلها ، وأزال اللّه تعالى عن المسلمين الذلة ، وأعقبهم بعد خوفهم أمنا ، فلله الحمد وله المنة . وهذا الذي ذكرته قطرة من بحر ، فإن قصص صلاح الدين أمر عجيب ، واستيلاؤه على هذه أمر غريب ، ومن يومئذ ملك صلاح الدين مصر وأعمالها وأظهر العدل فيها ، وأكثر من الأوقاف والمدارس وأنواع القربات ، ولم يزل بها حاكما حتى توفي الملك العادل ، فملك دمشق وكثيرا من أعمالها ، وهو الذي افتتح اليمن للملك العادل ، بعث أخاه إلى اليمن فملكها ، وكان أخوه فيها نائبا من جهة الملك العادل . ثم في آخر الأمر ملك السلطان صلاح الدين جميع ما كان يملكه الملك العادل ، وخطب له في مصر والشام وحلب ، وجميع تلك الأعمال ، وكذلك في مكة والمدينة واليمن ، ومع اتساع هذا الملك لم يخلف في خزانة ملكه بعد وفاته غير دينار واحد ، وستة وثلاثين درهما ، ولم يخلف ملكا ولا دارا ولا بستانا ولا مزرعة ، فإنه كان مغرما بالجهاد والنفقة فيه ، وبذل المكرمات على أمر الجيوش ، وكان يجلس في كل يوم وليلة مرة لبثّ المكارم ، وكشف المظالم ، ويجود ( بالمال ) « 1 » قبل حصوله ، ويقطعه الناس قبل وصوله . وكان يهب الأقاليم ، ولما فتح آمد طلبها منه ابن قرا « 2 » أرسلان فأعطاه
--> ( 1 ) ساقط من المطبوع . ( 2 ) تحرف في المطبوع إلى : ( قره رسلان ) وصوابه من الأصل ، والكامل في التاريخ لابن الأثير .